عبد الوهاب الشعراني

54

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

رجل ادع لي فقال حفظك اللّه ما دمت حيا ورضاك من الدنيا باليسير وجعلك لما أعطاه لك من الشاكرين . وطلب شخص أن يجالسه فقال يا أخي لا أراك بعد اليوم فإني اكره الشهرة والوحدة أحب إلى إني كثير الغم ما دمت مع الناس في هذه الدنيا فلا تسألني ولا تطلبني بعد فراقك فإني لا أنساك يا أخي وإن لم أرك وترني ، وكان رضي اللّه عنه يتصدق إذا أمسى بكل ما في بيته ، وبلغ من عريه أنه جلس في قوصرة وكان يلتقط الكسر من المزابل فيغسلها ويأكل بعضها ويتصدق ببعضها . وقال له هرم بن حيان أوصني فقال : توسد الموت إذا نمت واجعله نصب عينك إذا قمت ، وكان يقول الدعاء بظهر الغيب أفضل من الزيارة واللقاء لأنهما قد يعرض فيهما التزين والرياء ، ولما دفنوه في قبره رجعوا فلم يجدوا لقبره عينا ولا أثرا رضي اللّه عنه « 1 » . 26 - ومنهم : عامر بن عبد اللّه بن قيس رضي اللّه تعالى عنه ورحمه : كان رضي اللّه عنه يقول لو أن الدنيا كانت لي بحذافيرها ثم أمرني اللّه تعالى بإخراجها كلها لأخرجتها بطيب نفس ، وكان قد فرض على نفسه كل يوم ألف ركعة وفي رواية ثمانمائة ركعة فلا ينصرف منها إلا وقد انتفخت قدماه وساقاه ، ثم يقول لنفسه إنما خلقت للعبادة واللّه لأعلمن بك عملا حتى لا يأخذ الفراش منك نصيبا ، وكان يقول لا أبالي حين أحببت اللّه عزّ وجل على أي حال أمسيت وأصبحت ، وكان رضي اللّه عنه يقول منذ عرفت اللّه تعالى لم أخف سواه . وكان إذا تشوش من إنسان ودعا عليه يقول اللهم أكثر ماله وأصح جسمه وأطل عمره ، وكان رضي اللّه عنه يقول كم من شيء كنت أحسنه أود الآن أني لا أحسنه وما يغنى عنى ما أحسن من الخير إذا لم أعمل به ، وكان إذا سافر إن شاء صب من الركوة ماء للوضوء وإن شاء صب منها لبنا للشرب « 2 » ، وكان إذا دخل عليه شيء من الدراهم ينفق منها على المساكين ما شاء ولا ينقص منها شيء « 3 » .

--> ( 1 و 2 ) هذه من روايات العامة وليس لها دليل يسندها . ( 3 ) هي لا تنقص ببركة الانفاق ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم : [ ما نقص مال من صدقة ، بل يزيد ، بل يزيد ، بل يزيد ] ، أما النقص المادي فهي تنقص .